الموت... رنا عبد الله
زار الموتُ ميّتَهُ، فما الذي تبقّى لِيُسْلَب؟
في هذه الليلة، يتسرب البردُ من بين ثقوب الروح، ليجلس حزنٌ عتيقٌ على أطراف فراشي، يرمقني بإنهاك. لم أعد أدرك إن كنتُ أتنفس لحياد الحياة، أم أنني مجرد جثة أُجبرت على تأجيل دفنها. كل شيء هنا يفوح برائحة الغياب، الصمت ثقيلٌ كصخرة هبطت على صدري، ولا يزحزحها حتى البكاء.
كيف للمرء أن يرثي قتيلًا وهو العزاء؟ كيف أصرخ وصوتي مصلوبٌ في حنجرتي كيمينٍ نُكِثَت؟ أمشي بين الناس، يظنونني أعيش، ولا يعلمون أنني أجرّ خلفي كفني، وأتظاهر بأنني ينبض قلبٌ في داخلي، بينما هو ليس سوى تجويفٍ فارغٍ تصفر فيه أوهام الرماد.
لقد جفّ الدمع في عينيّ، حتى صار البكاء أمنيةً بعيدة المنال. كلّ الذكريات التي كانت يوماً ضوءاً، أضحت الآن نصلًا يغرز في خاصرتي مع كل شهيق. أتأمل كفيّ الفارغتين، فـلا أرى سوى طيف أملٍ مات قبل أن يولد، وأثر قبضةٍ أفلتتني في منتصف الظلام وتركتني للهاوية.
يا لثقل هذه الأيام.. ويا للوحدة التي تأكل الأطراف ببطء. زارني الموتُ في ميّته، ونظر في عيني، ثم رحل.. لأنه علمَ أن أخذَ الروحِ كرمٌ لا أستحقه، وتَرْكي حيّاً بهذا الخراب هو أشد أنواع العذاب.
رنا. :broken_heart: